عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

184

اللباب في علوم الكتاب

والآيات الباهرة التي أظهرها اللّه - تعالى - على يد موسى - عليه الصلاة والسلام - فإنّ أولئك اليهود بعد أن كثرت مشاهدتها لها ما خلوا من العناد والاعتراض على موسى عليه الصّلاة والسّلام . فإن قيل : لم أتى ب « ثم » التي تقتضى الترتيب والمهلة ، فقال : « ثم قست » ، وقال : « من بعد ذلك » والبعدية لا تقتضي التعقيب ، وقلوبهم لم تزل قاسية مع رؤية الآية وبعدها ؟ فالجواب : أنه أتى ب « من » التي لابتداء الغاية فقال : من بعد ذلك فجعل ابتداء المقصود عقيب رؤية الآيات ، فزالت المهلة . وقال أبو عبيدة : « معنى قست : جفت » . وقال الواقدي : خفت من الشّدة فلم تكن . وقال المؤرج : « غلظت » . وقيل : اسودت . وقال الزجاج : « القسوة ذهاب اللّين والرحمة والخشوع والخضوع » . قوله : « أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً » « أو » هذه ك « أو » التي في قوله : أَوْ كَصَيِّبٍ [ البقرة : 19 ] فكل ما قيل ثمة يمكن القول به هنا ، ولما قال أبو الأسود : [ الوافر ] 593 - أحبّ محمّدا حبّا شديدا * وعبّاسا وحمزة أو عليّا « 1 » اعترضوا عليه في قوله : « أو » التي تقتضي الشك ، وقالوا له : أشككت ؟ فقال : كلا ، واستدل بقوله تعالى : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ [ سبأ : 24 ] فقال : أو كان شاكّا من أخبر بهذا ؟ وإنما قصد - رحمه اللّه - الإبهام على المخاطب . قال ابن الخطيب : كلمة « أو » للتردد ، وهي لا تليق بعلّام الغيوب ، فلا بد من التأويل وهو من وجوه : أحدها : أنها بمعنى « الواو » كقوله : إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [ الصافات : 147 ] وقوله : وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ [ النور : 31 ] وقوله : أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ [ النور : 61 ] ومن نظائره قوله : لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى [ طه : 44 ] . وثانيها : أن المراد : فهي كالحجارة ومنها ما هو أشد قسوة من الحجارة . [ وثالثها : أي : في نظركم واعتقادكم إذا اطلعتم على أحوال قلوبهم قلتم : إنها كالحجارة أو أشدّ قسوة من الحجارة ] « 2 » .

--> ( 1 ) ينظر ديوانه : ( 73 ) ، والطبري : 2 / 235 ، والقرطبي : 1 / 313 ، والدر المصون : 1 / 263 . ( 2 ) سقط في ب .